وهبة الزحيلي

16

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

المناسبة : بعد بيان وعيد المشركين ، على الشرك ، ورجوعهم عنه في يوم القيامة ، وإظهار تبدل أحوال الإنسان ، بالتعاظم عند القوة ، والتصاغر والذل عند الضعف ، أوجب اللّه تعالى التأمل والتفكر في آيات اللّه وفي الأنفس ، ليعلموا أن القرآن حق منزّل من عند اللّه ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها . التفسير والبيان : قُلْ : أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ ، مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ أي قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين المكذبين بالقرآن : أخبروني عن حالكم ما ذا أنتم فاعلون ، إن كان هذا القرآن من عند اللّه حقا ، ثم كذبتم به ولم تقبلوه ولا عملتم بما فيه ، أفلا تكونون أعداء للحق والصواب ؟ بل لا أحد أضلّ منكم لشدة عداوتكم ، وإمعانكم في الكفر والعناد ومجانبة الحق ومخالفته . ثم دعاهم إلى التأمل والتفكر في الآيات والأنفس ، فقال : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أي سنظهر لهم دلالات صدق القرآن ، وعلامات كونه من عند اللّه في أقطار السماوات والأرض المشتملة على خلق الشمس والقمر والنجوم ، وتعاقب الليل والنهار ، وأحداث الكون الرهيبة من الأعاصير والبراكين والصواعق ، وعظمة الجبال والبحار ، وإبداع صنع النباتات والأشجار ، وما يحدث في الأرض من فتوحات كبري على أيدي المسلمين في أرجاء الأرض المحيطة بمكة والجزيرة العربية . وهذا الإخبار عن الغيب معجزة . وسنظهر صدق القرآن وأنه منزل من عند اللّه أيضا في خلق أنفس البشر ، وما فيها من إبداع الصنعة ، وعظمة التركيب : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ